ابن كثير

227

السيرة النبوية

فقال صاحبي حين أصبحنا : يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه ؟ ! فلم يزل الله عز وجل يزيدنا خيرا . ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فوالله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار ، حتى أن صواحبي ليقلن : ويلك يا بنت أبي ذؤيب ! هذه أتانك التي خرجت عليها معنا ؟ فأقول : نعم والله إنها لهي . فيقلن : والله إن لها لشأنا . حتى قدمنا أرض بنى سعد ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ، فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فنحلب ما شئنا ، وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن ، وإن أغنامهم لتروح جياعا ، حتى إنهم ليقولون لرعاتهم أو لرعيانهم : ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب فأسرحوا معهم . فيسرحون مع غنمي حيث تسرح ، فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن ، وتروح أغنامي شباعا لبنا نحلب ما شئنا . فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها . حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان ، فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا ( 1 ) فقدمنا به على أمه ونحن أضن شئ به مما رأينا فيه من البركة ، فلما رأته أمه ، قلت لها : دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى ، فإنا نخشى عليه وباء مكة . فوالله ما زلنا بها حتى قالت : نعم . فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة . فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد ، فقال : ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه .

--> ( 1 ) الجفر : الغليظ .